الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
43
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
على أننا إذا اعتبرنا التوسع في الغاية صح حمل التعذيب على ما يعم عذاب الدنيا والآخرة . ووقوع فعل مُعَذِّبِينَ في سياق النفي يفيد العموم ، فبعثة الرسل لتفصيل ما يريده اللّه من الأمة من الأعمال . ودلت الآية على أن اللّه لا يؤاخذ الناس إلا بعد أن يرشدهم رحمة منه لهم . وهي دليل بين على انتفاء مؤاخذة أحد ما لم تبلغه دعوة رسول من اللّه إلى قوم ، فهي حجة للأشعري ناهضة على الماتريدي والمعتزلة الذين اتفقوا على إيصال العقل إلى معرفة وجود اللّه ، وهو ما صرح به صدر الشريعة في التوضيح في المقدمات الأربع . فوجود اللّه وتوحيده عندهم واجبان بالعقل فلا عذر لمن أشرك باللّه وعطل ولا عذر له بعد بعثة رسول . وتأويل المعتزلة أن يراد بالرسول العقل تطوّح عن استعمال اللغة وإغماض عن كونه مفعولا لفعل نَبْعَثَ إذ لا يقال بعث عقلا بمعنى جعل . وقد تقدم ذلك في تفسير قوله تعالى : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ في سورة النساء [ 165 ] . [ 16 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 16 ] وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ( 16 ) هذا تفصيل للحكم المتقدم قصد به تهديد قادة المشركين وتحميلهم تبعة ضلال الذين أضلوهم . وهو تفريع لتبيين أسباب حلول التعذيب بعد بعثة الرسول أدمج فيه تهديد المضلين . فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بالفاء على قوله : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] ولكنه عطف بالواو للتنبيه على أنه خبر مقصود لذاته باعتبار ما يتضمنه من التحذير من الوقوع في مثل الحالة الموصوفة ، ويظهر معنى التفريع من طبيعة الكلام ، فالعطف بالواو هنا تخريج على خلاف مقتضى الظاهر في الفصل والوصل . فهذه الآية تهديد للمشركين من أهل مكة وتعليم للمسلمين . والمعنى أن بعثة الرسول تتضمن أمرا بشرع وأن سبب إهلاك المرسل إليهم بعد أن يبعث إليهم الرسول هو عدم امتثالهم لما يأمرهم اللّه به على لسان ذلك الرسول . ومعنى إرادة اللّه إهلاك قرية التعلق التنجيزي لإرادته . وتلك الإرادة تتوجه إلى المراد